علي بن أحمد المهائمي
420
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
سائر الحيوانات ، وإنما ذكر الصورة ليشير إلى أن النفخ الجبريلي كان في حكمه إلا أنه لم يكن عنصريّا بل كان مثاليّا ، فيكون الروح المنفوخ من جهته وإن كان من جملة الآثار مشابها للصور الإلهية ، بخلاف الروح المنفوخ من جهة عيسى عليه السّلام . ولذلك أسرع إليه الفساد بمقارنة البدن ؛ لكون العناصر قابله له ومعنى الأثر فيها أظهر بخلاف روح عيسى عليه السّلام ، فإنه كان قابلا للفساد إلا أنه لا يسرع إليه أن الحق ( وصف نفسه ) أي : ذاته على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالنفس الرحماني ، إذ قال عليه السّلام : « إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » « 1 » ، فيخرج هذا النفس ما استعدت له الأعيان الثابتة من القوة إلى الفعل ، وهذا النفس المشابهته النفس الإنساني حامل لصورة الحياة التي هي من جملة الحروف الكونية حمل النفس الإنساني صور الحروف اللفظية ، إذ ( لا بدّ لكل موصوف بصفة أن يتبع ) الصفة ، أي : يوجد بتبعيتها ( جميع ما تستلزمه تلك الصفة ) ، فإن كانت حقيقية يلزم أن يوجد معها جميع لوازمها الحقيقية ، وإن كانت مجازية لزم جميع اللوازم المشابهة بالمشابهة لتلك اللوازم لامتناع وجود اللزوم بدون اللازم . ( وقد عرفت أن النفس في المتنفس ) الإنساني ( ما يستلزمه ) من صور الحروف اللفظية فيجب أن يستلزم هذا النفس الإلهي صور الحروف الكونية ؛ ( فلذلك قبل النفس الإلهي ) عند ظهوره من باطن الحق ( صور العالم ) التي من جملتها صورة الحياة ، فحملها النفخ الجبريلي والعيسوي عند نزول الحق إلى صورتهما للمتكلم بكلمة « كن » في ضمن النفخ ، فسرت بسريانه إلى المنفوخ فيه ، وإنما قلنا : إنه من جملة الآثار لا من صور الأسماء ؛ لأنها بمثابة صور المرايا ، وهذه من الصورة الجسمانية والنوعية القائمة بالهيولى ؛ وذلك لأنه قبل النفس الإلهي صور العالم ، وهي لا تقوم إلا بالهيولى . ( فهو ) أي : النفس الرحماني ( لها ) أي : لصور العالم ( كالجوهر الهيولاني ) ، لكن الصفة لا تكون جوهر ؛ ولذلك لا بدّ من جواهر أخرى تقوم به هذه الصورة الكونية ، ( وليس ) في الظاهر ما يقبلها ( إلا عين الطبيعة ) ، إذ هي عبارة عن مبدأ الفعل والانفعال الذاتيين ، وقبول كل شيء صورته من جملة الانفعالات ؛ فهي القابلة للصور بالفعل بعد ما حملها النفس بالقوة ، ولا شكّ أن الفعل والانفعال من جملة الآثار ، فصور الطبيعة من جملة الآثار ، والكل داخل فيها ، وإن كان أكثرها مرايا صور لأسماء الإلهية أيضا . [ فالعناصر صورة من صور الطّبيعة ، وما فوق العناصر ، وما تولّد عنها ؛ فهو أيضا من صور الطّبيعة ، وهي الأرواح العلويّة الّتي فوق السّماوات السّبع ، وأمّا أرواح السّموات السبع وأعيانها ؛ فهي عنصريّة ، فإنّها من دخان العناصر المتولّد عنها ، وما
--> ( 1 ) رواه أحمد في « المسند » ( 2 / 541 ) ، وابن حبان ( 15 / 266 ) .